رغم ان هذه الرواية من أول ما كتب الدكتور غازي القصيبي (رحمه الله) ولكن لم تسنح لي الفرصة لقراءتها إلا قبل رمضان بعدة أيام. وقد وجدت اني اقرأ التاريخ العربي في حقبة الستينيات بكل الصراعات الفكرية التي كانت تعصف بالشباب في كل الاتجاهات. ولم تستثن تلك التيارات الفكرية كل المتعلمين او المهتمين بالشأن العربي او من كان يستمع الى المصدر الإعلامي الوحيد والمتمثل في الإذاعة. كان الكل يسعى ان يكون جزء من تجمع او منظمة او حزب رغم عدم المصداقية في معظم الحركات في ذلك الوقت وحتى ألان. وكون بعض تلك الحركات مجرد نظريات لا يمكن تطبيقها على الواقع.
الرواية ربما تحكي قصة الدكتور القصيبي نفسه الذي درس في القاهرة وهي منارة العلم آنذاك والتوليفة العجيبة من الأصدقاء الذين جمعتهم شقة الحرية. هم مجموعة متباينة في الصفات الشخصية والمذهب والحالة الاقتصادية وحتى انتماءاتهم السياسية كانت في كل اتجاه. وكانت الرواية تهتم لبعض التفاصيل التي ريما أضافت بعد المصداقية الى القصة لكونها تمثل الشباب ومشاكله في ذلك الزمان وحتى ألان.
وصلتني صور لأطفال في الروضة يحملون نعشا ويدورون به وسط باحة الروضة، ثم يضعونه على الأرض ويركعون أمامه ويبكون أو هكذا تقول الصور، وهناك الأطفال (فتيات وأولاد) لم تتجاوز أعمارهم ست سنوات، يضربون على صدورهم.
لست أدري هل هي روضة للأطفال في السعودية أم في دولة أخرى؟
ومع هذا أرى من حق هؤلاء الأطفال علينا أن تحقق وزارة التربية والتعليم في هذه الصور، وإن كان هذا يحدث في مدارس الروضة لدينا، فلابد من عقاب هؤلاء الذين يزرعون الكراهية في صدور الأطفال.
فالقضية هنا أخطر مما حدث في ثانوية «حراء» في خميس مشيط، إذ يؤسس المعلم ثقافة الموت، ومكمن الخطورة أن ما يتم تأسيسه من مقدسات داخل الطفل قبل وعيه، لن يستطيع الطفل بسهولة أن ينتزع تلك الكراهية التي زرعت في صدره، والسبب أننا حين نعلم الطفل في كل مرة كلمة جديدة، نحن أيضا نقدم له محتوى يتضمن معنى ذهنيا وعقليا وعاطفيا لتلك الكلمة.
وهذا يتم في وقت مبكر جدا بالنسبة للطفل وقبل أن يستطيع الحكم على الكلمات وما تعنيه بالنسبة له، وبمجرد أن ترسخ في ذهنه على اتجاهات ومشاعر انفعالية ستصبح عسيرة على التبدل والنقض.
بعبارة أوضح نحن لا نزود الطفل بالمضمون للكلمة فقط، بل أيضا بالاتجاهات نحو السلوك، ومن هنا يتحدد اتجاهه السلوكي نحو الحب والكراهية للأشخاص والأشياء.
وإلى أن تتأكد وزارة التربية والتعليم من تلك الصور التي بدأ نشرها على «الانترنت»، دعوني أسأل المتشددين: ما الحكمة بأن نعلم أطفالنا كراهية الآخر؟
وما قيمة تلك الشخصيات للحاضر والمستقبل إن كنا قد ربطناهم بصراعات الماضي، أعني هل سيفكر هؤلاء الأطفال فيما بعد بالمستقبل وكيف يصنعون مستقبلا جميلا يليق بهم؟
يقول الجنوب أفريقي «باترك تشاموسو» الذي تعلم التسامح من مانديلا، والذي تم تعذيبه وسجنه بسبب عنصرية البيض، بعد أن شاهد المحقق الذي عذبه على الشاطئ وحيدا: «قلت لنفسي: يمكنني إنهاء الأمر الآن، أكسر عنقه، هنا في هذه البقعة، أنهي الأمر، بينما كنت أسير باتجاهه، قلت لنفسي: لا.. القتل لن يساعدني، الانتقام ليس نهاية المطاف، لأنني سأنقل الحرب من جيلي إلى الجيل الجديد، سأتركه يحيا، وسأصبح حرا».
فهل نحرر أطفالنا من الأحقاد؟
أعارني الصديق العزيز “غازي” هذه الرواية وكان قد اشتراها مع رواية ترمي بشرر في رحلته إلى دمشق. وقد تركتها مهملة لبعض الوقت لعدم معرفتي بالكاتب ولكني وجدتها عكس ما توقعت.
الرواية جميلة من عدة نواحي فهي تحليل ممتاز للشخصيات لأنها تروي الحوادث من وجهة نظر كل منها مع إضافة المشاعر واختلاجاتها وهو في نظري أمر ممتع أثناء قراءة أي رواية. اذ رغم إحداثها القليلة إلا ان الوصف يجعل القارئ يرسم الصورة بشكل دقيق. وهناك المواضيع المطروقة الكثيرة في الرواية وعدم تركيزها على قصة واحد فالحب والكره والدين والسياسة والانتماء والخيانة وحتى العلاقات الحميمة موجودة في هذه الرواية الشاملة. وهناك أمر آخر جميل في الرواية هو جعل القارئ متوقد الذهن يحاول استنتاج حقيقة بعض الأحجيات المتناثرة هنا وهناك حتى يتم الكشف عنها أثناء القراءة او تبقى معلقة في الخيال.
لم استطع مقاومة الضحك على الصورة التي تمثل قمة التناقض في مجتمعنا ، فالحكم الذي يقف إلى جانب لاعبنا الدولي اسامة المولد هو في الحقيقة حكم امرأة وفي رواية أخرى حكم أنثى وفي رأي غريب ، حكم حرمة. وذلك المباراة الودية التي يخوضها فريق الهلال خلال المعسكر الإعدادي.
مررت اليوم بوالدي على الأحوال المدنية في جدة والتي أراجعها منذ أربعة أربع أسابيع لاستصدار بطاقة أحوال بدل فاقد لوالدي الذي سرقت محفظته أثناء الخروج من المسجد. لن أتحدث عن السرقات في المساجد ولا الوضع داخل وخارج بعض المساجد التي اذ ؟؟؟ ربما أعود إلى ذلك في وقت لاحق. وإنما اليوم هو يوم الأحوال التي سأكتب قصتي معها مع بعض الملاحظات السلبية والايجابية من خلال التجربة. القصة طويلة ولكني لم استطع الاختصار وان كنت من هواة الفاست فود فأنصحك بالتوقف هنا.
الغريب انك منذ البداية لا تجد موقفا لسيارتك بالقرب من مبنى الأحوال وكأن من اختار هذا المكان وصمم المبنى لم يعلم انه سيكون هناك العديد من المراجعين يوميا. ثم بعد ان مسافة ليست بالقصيرة تجد نفسك أمام جهاز كشف المعادن الذي على المدخل والذي يشعرك انك تدخل إلى ثكنة عسكرية وأنا متأكد ان ذلك الجهاز لا يعمل او انه على اقل حساسية وان لم تكن تحمل دبابة في جيبك فلن يصدر أي تنبيه للجندي الذي يجلس في استرخاء بجواره. ثم يكتمل المسلسل ان تدخل إلى الدور الأول فلا تجد من تسأل وإنما بعد سؤال الناس تعرف ان الاستعلامات في الدور الأول والأجدر أن تكون في مدخل المبنى ليتوجه اليها من اراد الاستفسار او الحصول على النماذج. صعدنا إلى الدور الأول الذي يميزه ذلك الصف الطويل من المواطنين أمام كشك الاستعلامات (طالما هو كشك معدني فلماذا لم يوضع في الدور الأرضي؟). وبعد دقائق الانتظار تكرم الموجود داخل الكشك علينا بالنموذج وأعطانا رقم تسلسلي لقسم السجلات و الموجود في الدور الأرضي. هناك ملاحظة في كشك الاستعلامات وهي انك لتتحدث إلى الرجل داخل الكشك يجب ان تنحني و تنزل هامتك وتتحدث مع الموظف الحكومي وأنت في وضع الركوع لان الكشك ليس فيه فتحات لتنقل الصوت أمام وجه المراجع.
ذهبنا إلى قسم السجلات الذي انتظرنا وقت طويل قبل ان يأتي الموظفون الذين في أعينهم الكثير من السخط والاحتقار لهؤلاء المذنبين الذين فرطوا في هوياتهم الوطنية وأظنهم يتمنون ان يكون بأيديهم سياط لجلد كل مراجع قبل إكمال إجراءات إصدار بدل الفاقد. بعد وقت جاء علينا الدور فقام والدي بتقديم الملف (الذي اشتريناه من عامل هندي يضع طاولة و آلة تصوير داخل المبنى ويبيع العصير والشاي ويصور الأوراق و خلافه). سأل الموظف وهو لا ينظر إلى والدي “ماذا أضعت؟” فقال والدي “بطاقة الهوية” فقام بإدخال بيانات في الحاسب وقال لوالدي وهو يناوله الملف “بعد أسبوعين”. وبعد أسبوعين عدت مع والدي الى نفس القسم بعد أن مررنا بنفس الكشك لتقديم الولاء واخذ الرقم التسلسلي وحين عدنا وقدمنا الملف بعد الانتظار لأكثر من ساعة قال الموظف ان المكتوب هنا انك فقدت دفتر العائلة وأنت تقول انك فقدت بطاقة الهوية وارجع لنا الملف. اسقط في يد والدي الذي لم يعلم اين يذهب وماذا يفعل فالموظف لم يقدم حلا. أخذت الملف واتجهت الى رئيس القسم الذي حمل والدي الخطأ رغم اني وضحت له ان من اشر على النموذج هو الموظف وليس نحن ولكنه لم يقتنع. والحل كما أشار أن يتم إلغاء البلاغ الحالي وأن نبدأ من الصفر ونقوم بنفس الإجراءات مرة أخرى. لم اقبل ذلك الحل وطلبت منه ان يقوم بعمل بلاغ جديد على نفس النموذج وأخيرا وافق. وهنا انبه المراجعين ان أخطاء الموظفين لن يتحملوها فتأكد من المعلومات قبل الخروج حتى لا يصبح جهدك هدرا في الذهاب والعودة. سلمنا البلاغ الجديد وحسب النظام لابد من الانتظار أسبوعين.
عدنا اليوم وذهبت إلى الكشك وانحنيت وأخذت الرقم وانتظرنا في السجلات وحين جاء دور والدي أخذت الملف إلى الموظف الذي اخبرنا أننا تأخرنا في البلاغ لمدة أسبوعين ويترتب عليه غرامة قيمتها خمسون ريال يجب ان تدفع في الخزينة في الدور الأول. حاولت ان افهم الموظف عدم تأخرنا ولكن غلطة الموظف قد كلفتنا أسبوعين وألان ستكلفنا الغرامة ولكنه وبنظرة الازدراء لم يرد. ذهبت إلى الخزينة ودفعت الغرامة وعدت إلى الموظف بالوصل ، وقع على المعاملة وناولها لرئيسه الذي كان يجلس بجانبه. سألني الرئيس “أين والدك؟” فقلت له انه يجلس على الكرسي لكبر سنه ولكن لم يسمع او لن يسمع فكرر نفس السؤال، وأشرت إلى والدي واعدت الجملة فلم يسمع. طلبت من والد القدوم إلى الشباك وحينها قال الرئيس “إلى التصوير”. طبعا يجب ان تمر بالكشك إياه وتأخذ رقم جديد للتصوير وكان يقف في الصف حوالي العشرين من الشباب. أعطيت أبي الملف وقدمته إلى الموظف مباشرة عله يقدر السن ويعطيه رقم دون الانتظار في الصف (ليس تحايلا ولكن هذا ما يحدث في دول العالم التي تحترم كبير السن). نجح المسعى واخذ ابي الرقم وكان يبعد عمن يتصور ألان بحوالي الخمسين. لم استطع الصبر فذهبت ابحث عن مدير عام الأحوال لاشتكي كل ما سبق و لم أجده بالطبع ولكني وجدت نائبه (غازي البشري) الذي للحق كان بشوشا مؤدبا مستمعا متفهما ارتحت لمجرد الحديث إليه. وطلب مني إحضار الملف وذهبت لأجد والدي قد قابل احدهم فادخله مباشرة إلى التصوير وعند شاب محترم (تركي الزهراني) والذي تعامل مع أبي بكل احترام وصبر.
بعد التصوير عدت إلى غازي البشري الذي قام من مكتبه ليسلم على والدي وطلب منه ان يأتي إلى مكتبه في أي خدمه يحتاجها مقدما اعتذاره عن طباع بعض الموظفين التي تغلب كل ما يحاول غرسه فيهم من حسن التعامل مع المراجعين.
رواية صادمة بكل معنى الكلمة ، وقد قرأت للكاتب رواياته السابقة كلها ولم أجد فيها ما وجدته هذه المرة من تجميع لكثير من الشر والقبح والوجه الخفي لمدينة جدة في شخصيات الرواية. بل إن الشخصية الوحيدة التي نجت أو هكذا يظهر هي شخصية إبراهيم الذي لم يدخل القصر (الجنة) ولم تغريه الحياة على الجهة الأخرى من الشارع. جدة التي يطلق عليها بوابة الحرمين وعروس البحر أنهكت أثناء الرواية بالظلم والقهر والشذوذ والليالي الحمراء. ولان الرواية تركز على الشر والشر فقط فقد جمعت الكثير من قصص الإشاعات التي سمعناها خلال عقود ورسمت لها الشخصيات وكانت شخصية سيد القصر تعبر عن المتنفذين الذين لا يردعهم دين أو عرف عن عمل أي شيء حتى القتل في سبيل تحقيق غاياتهم وتأديب خصومهم أو الاسترسال في أي ملذات تخطر على بالهم وبأي ثمن كان.
في الحقيقة إن كل ما ذكر في الرواية يحدث في مدينة جدة وغيرها من مدن العالم ولكن يجب على القارئ أن يكون واعيا لمغزى التركيز على تلك الصور وهو إظهارها للعلن و تعريتها أمام المجتمع الذي يجب أن يجد الحل. عبده خال روائي رائع ولا يعنيه في سبيل الإبداع السير مع السائد ولا مهادنة المجتمع ولا نفاق شريحة المحافظين ولكنه اعتمد في رواياته دائما أصعب المواقف واغرب القصص.
المأخذ الوحيد الذي لم يعجبني في الرواية هو ما سطر من مقابلته ذلك الرجل في ايس لاند وحكايته، ومن ثم عرض تلك الصور في أخر الرواية.
الصورة المرفقة بهذه التدوينة أرسلها لي احد الأصدقاء مشيرا إلى المفارقة في ان احد المسلمين يلبس “طاقية” مكتوب عليها “أنا أحب عيسى” باللغة الانجليزية. وهو أمر في نظره غريب وربما رجح صديقي ان ذلك الرجل لم يعلم ماذا كتب.
الصورة استوقفتني مستغربا لبعض الوقت ولكني وجدت اني ابتسم وأفكر في الموضوع من زاوية مختلفة. أنا أيضا أحب المسيح عليه السلام، وليس المسيح فقط ولكني أحب موسى وداود وسليمان وزكريا ويحي وصالح … وكل الرسل الذين أرسلهم رب العالمين إلى الناس لدعوتهم إلى دين الله. بل إن الإيمان لا يكتمل عند المسلم إلا بالإيمان بجميع الرسل وهو أمر مذكور في القران الكريم أواخر سورة البقرة في قوله تعالى “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ .. الآية”.
وبذلك يكون الرجل الذي في المسجد يلبس ما كتب عليه “أنا أحب عيسى” هو تعبير عن الواجب على جميع المسلمين في إنحاء الأرض تجاه المسيح بن مريم من حب وإيمان.
حسب الفيديو المرافق لهذه التدوينة فإن العسكري رفيع الدرجة قد أخافته فتاة لم تبلغ السابعة عشر لأنها محجبة. وهذه المشكلة حدثت في تركيا الإسلامية أو العلمانية لم يعد هناك صفة مميزة لتلك الدولة التي تتضارب فيها الأيدلوجيات. ورغم الإرادة الشعبية وعبر صناديق الاقتراع والتي أوصلت الأحزاب الإسلامية المعتدلة إلى الحكم، وعدم فرض الأفكار التي يؤمن بها ذلك الحزب وأنصاره على باقي المجتمع (كما فعلت طالبان) ، لازال العسكر المسيطرين الحقيقيون على الدولة يخافون أي مظهر إسلامي على مسرح الأحداث مهما قل شأنه. بل ويصبح الواحد منهم رغم الصبغة العلمانية والانتساب الليبرالي ابعد ما يكون عن حرية الاختيار المكفولة للجميع في أكثر البلاد حرية. بل يصبح الواحد منهم ديكتاتورا يفرض رأيه على الآخرين بالقوة العسكرية التي تعامل الجميع كجنود المعركة. ولم يترك لها فرصة التساوي في الحقوق مع زملائها من نفس المدرسة رغم إنها لم تتسبب في أي ضرر على الآخرين في اختيارها الحر في ارتداء الحجاب. بل ان من واجبه حراسة الديمقراطية كان أول من اقفل الحوار مع الطالبة عند محاولتها معرفة سبب استبعادها من المشاركة.
لست مع هذا أو ذاك ولكني مع حرية الاختيار. ومن اختار أن يطيع الله ورسوله .. فليفعل.
أكثر ما يثير حفيظة سعود علي العواد (43 عاما)، المصاب بشلل نصفي، أن تطلق أمامه وصف ذوي الاحتياجات الخاصة. فهو يرى أن (المعاق) أبلغ كلمة تعبر عن واقعه وأقرانه في المملكة. وذلك في ظل البيئة التي عزلتهم والبيروقراطية الرسمية التي حولتهم إلى “عالة، وعبء على المجتمع” حسب تعبيره. يحتاج سعود مثلاً أن يمشط شارع الضباب في الرياض عشرات المرات ليحصل على ثلاث تسعيرات؛ ليتسنى له التقدم لوزارة الشؤون الاجتماعية للحصول على كرسي. وحينما يتقدم بتسعيراته لا يتم النظر فيها بل يصرف له كرسي آخر من خارج القائمة. ربما يكون الأرخص على وجه البسيطة. لكنه قطعا الأثقل وزنا والأقل جودة على حد قوله. يتساءل سعود بحزن عن سر إهدار الوزارة لوقته وغيره مادام موضوع الكرسي محسوما، قائلا: “هل يضحكون علينا؟”.
سعود الذي ترك كرسيه نائما في الوزارة يتفوق علينا حركة وبركة. يشارك في جل الفعاليات والندوات الخاصة بالمعاقين في المملكة والخليج. يأتي من الأحساء ممتطيا سيارته (الكابريس) موديل 1989 وحلمه بالتغيير ورغبته في التعبير. لا يفوت أي مناسبة دون أن يشرح معاناته وأقرانه متكئا على عكازيه ورسائل كتبها بحبر جروحه وآهاته.
الحزن العارم الذي يقطن صدر سعود لم يحوله إلى حطام بل زاده إصرارا على الكفاح مرددا ما قاله أبو القاسم الشَّابي:
ولا بُدَّ لليل أَن ينجلي
ولا بد للقيدِ أن ينْكسِر
يطوف العواد منازل العديد من ذوي الاحتياجات الخاصة في الأحساء ليطمئن عليهم ويقضي حوائجهم. يضع في منزله قائمة بأسمائهم وهواتفهم. يتصل عليهم قبل زيارتهم ويسألهم عن طلباتهم من قساطر بولية، وحفائظ، وأدوية. يراجع الدوائر الحكومية نيابة عنهم رغم الوجوه التي تستقبله بعبوس وامتعاض فور أن تسمع صرير خطواته، احتجاجا على فضوله.
زوّج سعود عشرات من أقرانه. وكسر عزلة مئات آخرين. زار بيوتا كثيرة في الرياض والقصيم وأبها وجدة ليشجع سكانها على الحياة وطرد القنوط من صدورهم. يقول وهو يشير بأصابعه المرهقة نحو قدميه: “لا يقدر حجم الألم إلا من ذاقه”.
يُقل سعود يوميا طالبات من ذوي الاحتياجات الخاصة إلى الجامعة دون مقابل. أصبح سائقهن بعد أن شاهد منظرا مؤلما أمامه. سائق يحمل فتاة يافعة مشلولة ويضعها في السيارة. ثارث غيرته وهب لنجدتها وغيرها بمساعدة زوجته التي ترافقه رحلته ذهاب وإيابا.
سعود لا يعرف المستحيل. لم يحرمه كرسيه من الإنجاب أو الحركة. رزقه الله ثلاث بنات عن طريق عمليات أطفال الأنابيب الباهظة. فقد باع كل ما يملك في سبيل إجرائها وتحقيق حلم الأبوة. صرف كل ادخاره من أجل أن يسمع كلمة (بابا) مدوية في منزله الصغير بقرية الوزية بالأحساء.
سعود قصة جدير بالاحتفاء والتقدير إثر عمله الدؤوب ورسالته الإنسانية وقبل ذلك بسبب تضحيته من أجل وطنه. فقد تعرض للشلل النصفي إثر تعرضه لطلق ناري عن طريق الخطأ أثناء خدمته العسكرية عام 1990.
إننا بدلا من أن نكافئ سعود ونوفر له كل السبل التي تكفل له حياة كريمة يستحقها غمرناه بسلبيتنا. زدنا آلامه ببيروقراطيتنا.
عزيمة سعود قد تتبخر إذا لم يجد يدا تأخذ بأحلامه. ليس هو فحسب بل الآلاف من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يملؤون بيوتنا دون أن نقدم لهم أبسط حقوقهم. دون أن نوفر لهم وسائل نقل ملائمة ومرافق مناسبة ووجوها باسمة.
من المخجل حقا أن ذوي الاحتياجات الخاصة يطالبون بتقرير طبي كل مرة يراجعون فيها الوزارة للحصول على قساطر بول، أو مفارش أو كراسي. لمَ لا يكون لدى وزارتنا العزيزة نظام يحفظ معلوماتهم ويوفر لهم ما يستحقون بضغطة زر؟ بل لمَ لا تصلهم طلباتهم إلى منازلهم لاسيما إذ علمنا أنهم لا يعيشون في الرياض فقط. فهناك الآلاف ممن يعيشون في القطيف وجازان والدمام ونجران وتبوك. إننا لا ننتظر أقوالا بل أفعالا، حتى لا نهدر المزيد من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين عطلناهم بتصريحاتنا ودفناهم بوعودنا.
مشكلتنا الأزلية أننا نصدر قرارات لكن لا تنفذ. مشكلتنا الحقيقية أن غيرنا يتحرك ونحن نتجمد!
13 visitors online now 4 guests, 9 bots, 0 members Max visitors today: 15 at 01:40 am UTC This month: 26 at 05-09-2010 03:11 am UTC This year: 102 at 30-08-2010 10:40 am UTC All time: 102 at 30-08-2010 10:40 am UTC